ابن رشد
296
تهافت التهافت
غير تعلم ومع ذلك فلا ينكر أن تتقوى نفسه وحدسه بحيث يدرك ما يدركه الأنبياء على ما اعترفوا بإمكانه ، ولكن يعلمون أن ذلك الممكن لم يقع فإن خرق اللّه تعالى العادة بإيقاعها في زمان خرق العادات انسلت هذه العلوم عن القلوب ولم يخلقها فلا مانع إذن من أن يكون الشيء ممكنا في مقدورات اللّه سبحانه وتعالى ، ويكون قد جرى في سابق علمه أنه لا يفعله مع إمكانه في بعض الأوقات ويخلق لنا العلم بأنه ليس يفعله في ذلك الوقت فليس في هذا الكلام إلا تشنيع محض . قلت : أما إذا سلم المتكلمون أن الأمور المتقابلة في الموجودات ممكنة على السواء وأنها كذلك عند الفاعل ، وإنما يتخصص أحد المتقابلين بإرادة فاعل ليس لإرادته ضابط يجري عليه : لا دائما ، ولا في الأكثر ؛ فكل ما لزم المتكلمين من الشناعات يلزمهم . وذلك أن العلم اليقيني هو معرفة الشيء على ما هو عليه ، فإذا لم يكن في الوجود إلا إمكان المتقابلين في حق القابل والفاعل فليس هاهنا علم ثابت بشيء أصلا ولا طرفة عين إذا فرضنا الفاعل بهذه الصفة متسلطا على الموجودات مثل الملك الجائر ، وله المثل الأعلى الذي لا يعتاض عليه شيء في مملكته ، ولا يعرف منه قانون يرجع إليه ولا عادة ، فإن أفعال هذا الملك يلزم أن تكون مجهولة بالطبع ، وإذا وجد عنه فعل كان استمرار وجوده في كل آن مجهولا بالطبع . وانفصال أبي حامد من هذه المحالات بأن اللّه تعالى لو خلق لنا علما بأن هذه الممكنات لا تقع إلا في أوقات مخصوصة كأنك قلت : وقت المعجزة ليس بانفصال صحيح ، وذلك أن العلم المخلوق فينا إنما هو أبدا شيء تابع لطبيعة الموجود ، فإن الصادق هو أن يعتقد في الشيء أنه على الحال التي هو عليها في الوجود . فإن كان لنا في هذه الممكنات علم ، ففي الموجودات الممكنة حال هي التي يتعلق بها علمنا ، وذلك : إما من قبلها أنفسها ، أو من قبل الفاعل ، أو من قبل الأمرين ، وهي التي يعبرون عنها بالعادة . وإذا استحال وجود هذه الحال المسماة عادة في الفاعل الأول فلم يبق أن تكون إلا في الموجودات ، وهذه هي التي يعبر عنها كما قلنا الفلاسفة بالطبيعة . وكذلك علم اللّه بالموجودات ، وإن كان علة لها فهي أيضا لازمة لعلمه ، ولذلك لزم أن يقع الموجود على وفق علمه . فالعلم بقدوم زيد مثلا ، إن وقع للنبي من قبل أعلام اللّه له ، فالسبب في وقوعه على وفق العلم ليس شيئا أكثر من كون طبيعة الموجود تابعة للعلم الأزلي . فإن العلم بما هو علم لا يتعلق بما ليس له طبيعة محصلة . وعلم